أحمد بن يحيى العمري

33

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال إبراهيم بن أدهم : مررت براهب في صومعته ، والصومعة على عمود ، والعمود على قلّة « 1 » جبل ، كلما عصفت الريح تمايلت الصومعة . فقلت : يا راهب ! فلم يجبني . ثم ناديته ثانيا ، فلم يجبني . فقلت في الثالثة : بالذي حبسك في صومعتك إلا أجبتني . فأخرج رأسه من صومعته ، فقال : سمّيتني باسم لم أكن له بأهل ! ، قلت لي : يا راهب ! ، ولست براهب ، إنما الراهب من رهب ربه عزّ وجلّ . قلت : فما أنت ؟ . قال : سجنت سبعا من السباع . قلت : ما هو ؟ . قال : لساني سبع ضار ، إن أنا أرسلته مزّق الناس . يا حنيفي ! إن لله عبادا سلكوا خلال دار الظالمين ، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين ، وشابوا ثمرة العلم بنور الإخلاص ، هم - والله - عباد كحّلوا أبصارهم بسهر الليل ، فلو رأيتهم في ليلهم ، قد نامت عيون الخلق وهم قيام على أطرافهم ، يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم . يا حنيفي ! ، عليك بطريقهم . قلت : فعلى الإسلام أنت ؟ . قال : ما أعرف غير الإسلام دينا ، ولكن عهد إلينا المسيح عليه السلام ، ووصف لنا آخر زمانكم ، فخليت الدنيا ، وإن دينكم لجديد ، وقد خلق . وقال إبراهيم : رأيت في المنام كأن جبريل - عليه السلام - نزل إلى الأرض ، فقلت له : لم نزلت ؟ . قال : لأكتب المحبين . فقلت : مثل من ؟ . فقال : مثل مالك بن دينار ، وثابت البناني ، وأيوب السختياني ، وعدّ جماعة . فقلت : أنا منهم ؟ . فقال : لا . فقلت : فإذا كتبتهم ، فاكتب تحتهم : " محب المحبين " . فقال : قد أمرني الله تعالى أن أكتبك أولهم . وقال : " نعم القوم السّؤّال « 2 » ، فإنهم يحملون زادنا إلى الآخرة " . وروي عنه أنه قال : " ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات :

--> ( 1 ) قلّة الجبل : بضم القاف أعلى الجبل . " القاموس مادة قلل " . ( 2 ) المراد السؤّال الحقيقيون المستحقون للصدقة والإعطاء ، الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال ، وقليل ما هم ، لا الذين يتخذون المسألة مهنة لهم ، وكثير ما هم ، فقد ورد في أولئك الوعيد والتهديد بأنهم سيلقون الله تعالى وليس في وجه أحدهم مزقة لحم .